وهبة الزحيلي

238

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ودلّ سبب النزول المتقدم عن علي على مشروعية القصر للمسافر ، قال القرطبي : فإن صحّ هذا الخبر فليس لأحد معه مقال ، ويكون فيه دليل على القصر في غير الخوف بالقرآن . وقد روي عن ابن عباس أيضا مثله ، قال : إن قوله تعالى : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ نزلت في الصلاة في السفر ، ثم نزل : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا في الخوف بعدها بعام . فالآية على هذا تضمنت قضيتين وحكمين ، فقوله : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ . . يراد به في السفر ؛ وتمّ الكلام ، ثم ابتدأ فريضة أخرى ، فقدّم الشرط ، والتقدير : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ، والواو زائدة ، والجواب : فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ . وقوله : إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً اعتراض « 1 » . وقوله تعالى : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ظاهره التخيير بين القصر والإتمام ، وأن الإتمام أفضل « 2 » ، وإلى التخيير ذهب الشافعي ، وروي عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه أتمّ في السفر ، وعن عائشة رضي اللّه عنها فيما رواه الدارقطني : « اعتمرت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المدينة إلى مكة ، حتى إذا قدمت مكة ، قلت : يا رسول اللّه ، بأبي أنت وأمي : قصرت وأتممت ، وصمت وأفطرت ؟ فقال : أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ » . وكان عثمان رضي اللّه عنه يتمّ ويقصر . وعند أبي حنيفة رحمه اللّه : القصر في السفر عزيمة غير رخصة ، لا يجوز غيره . بدليل قول عمر رضي اللّه عنه : « صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيّكم » ، وقول عائشة رضي اللّه عنها فيما رواه أحمد : « أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فأقرّت في السفر ، وزيدت في الحضر » .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 5 / 361 وما بعدها . ( 2 ) الكشاف : 1 / 420